logo

القصيدة الأخيرة بدون عنوان

ما تُراني أقولُ ليلةَ عُرسي؟
جَف وردُ الهوى، ونامِ السامر.

ما تُراني أقولُ يا أصدقائي
في زمانٍ تموتُ فيه المشاعر؟

لم يعد في فمي قصيدةُ حبٍ
سقطَ القلبُ تحت وقع الحوافِرْ

ألف شكرٍ لكم… فأنتم شراعي
وبحاري، والغالياتُ الجواهرْ

فأنا منكُمُ سرقتُ الأحاسيس
وعنكم أخذتُ لونَ المحاجِر

أنتم المبدعُونَ أجمل شِعري
وبغير الشعوب، ما طار طائر

فعلى صوتكُم أُدوزِنُ شعري
وبأعراسِكم أزفُّ البشائرْ.
* * *

أنزفُ الشعر، منذ خمسينَ عاماً
ليس سهلاً أن يصبحَ المرءُ شاعر

هذه مِهنةُ المجانين في الأرضِ
وطعمُ الجُنون طعمٌ باهِر…

أنزِفُ العشقَ والنساءَ بصمتٍ
هل لهذا الحزنِ الدمشقي آخر؟

لستُ أشكو قصيدةً ذبحتني
قدري أن أموت فوق الدفاتر

بي شيءٌ من عزة المُتنبي
وبقايا من نار مجنون عامرْ…

لم يكن دائماً فراشي حريراً
فلكم نمت فوق حدِّ الخناجرْ

فخذُوا شُهرتي التي أرهقتني
والإذاعاتِ كلَّها… والمنابرْ

وامنحوني صدراً أنامُ عليهِ
واصلُبوني على سواد الضفائر…
* * *

أنا من أُمّةٍ على شكل ناي
هي دوماً حُبلى بمليون شاعرْ

كلُّ أطفالنا يقولونَ شعراً
والعصافيرُ، والرُبى، والبيادرْ.

ما بنا حاجةٌ لمليونِ ديكٍ
نحنُ في حاجةٍ لمليونِ ثائرْ

تُطلِعُ الأرضُ شاعراً كلَّ قرنٍ
لا تباعُ الأشعارُ مثلَ السجائر…

هل سعِدنا بشعرنا أم شقينا
أم غفونا على رنين القياثِر؟

فانتصرنا يوماً ببحرٍ طويلٍ
وانهزمنا يوماً ببحر الوافرْ
***

أنا في الشعر, قاتل أو قتيلٌ
ماهو الشعر عندما لا يغامرُ؟

مهنتي أن أغير الكون بالشعر
وفي ليلة أضيءُ المنائر

مهنتي أن ‘مر الأرض عشقاً
وأغني لكل ظبيٍ نافرْ

مهنتي أن أقولَ ما لم تقولوا
وضميري يقول كل الضمائرْ

المواويل في دمائي تجري
فإلى أين من دمي سأهاجرُ؟

إنني أنزفُ الحقيقة نزفاً
مثلما تنزف الدموعُ المحاجرْ

أكتنف حرائق الشعر.. حتى
قيل عنيّ مهرجٌ او ساحرْ

فاعذروني اذا نزفتُ بروقاً
يكتب الحرُّ رأيه بالأظافرْ..
***

للمليحات كل حبي وشكري
فلقد كُنَّ في حياتي الأزاهرْ

إن فضل النساء فضلٌ عظيم
فأنا دونهن طفلٌ قاصرْ

إنني دائخٌ أمام الجميلات..
فثغر يأتي.. وخصرٌ يسافر

رُبَّ نهدٍ غسلته بدموعي
فتشظى كعلبةٍ للجواهرِ

الحضارات كلها شغل أنثى
والثقافات من رنين الأساور

تزرع المرأة السنابل والوردَ..
ويبقى كل الرجال عشائرْ

جميع الحقوق محفوظة © نزار قباني . نت