logo

التفرغ

1
أتفرغ لعشقكْ..
دون أن أستأذنك في شيء..
ودون أن أستشيرك في شيءْ..
فالعشق عندي .. هو بعضٌ من فطرتي
وجزءٌ من طبيعتي..

2
إننّي أتصرَّف بغريزتي وحدها..
كما تتصرَّف الأشجار.. والأزهار..
والعصافير..
وكما تتفرغ فرنسا لصناعة النبيذ..
وكشميرُ لصناعة الحرير..
وهولندا لزراعة التوليبْ..
وإسبانيا لعزف (الفلامنكو)..
وعموم النساء العربيات..
لصناعة الشعر!!.

3
أتفرغ لهواك..
كما يتفرغ الطفل لقطعة حلوى
وكما تتفرغ النحلةُ لصناعة عسلها..
وكما تتفرغ الحمامة لاحتضان أطفالها..
وكما يتفرغ النهد..
للدفاع عن كبريائه!!..

4
أتفرغ للكتابة عنكِ..
كما يتفرغ نبيٌّ لكتابة الوحيْ..
وكما تتفرغ بيوت الشام لصناعة الياسمين ..
وكما تتفرغ نساء الشام..
لصناعة الأنوثة..

5
أتفرّغ لتصميم جسدك..
كما يتفرغ معماريّْ
لتصميم مدينة مقدسة ..
وكما يتفرّغ البابليون.. لبناء بابل..
والمصريون لبناء وادي الملوك ..
أرفع صدرك عانياً فوق البحرْ..
كأنه منارة الإسكندرية..
حتى لا تضيع المراكب..
وتضيع طيورُ النورس…

6
أتفرغ لعشقك ليلاً ونهاراً..
صيفاً .. وشتاءً..
كما يتفرغ الربيع
لصناعة شقائق النعمان..
وكما يتفرغ العصفور لصناعة الحريَّة..

7
أتفرغ لكِ.. يا أميرة الأميرات..
كما تتفرغ القدس
لصناعة الأنبياء..

8
أتفرّغ لك, أيتها المقدسة..
كما يتفرغ الرسول لرسالته..
والصوفي لكشوفاته..
والشاعر لتغيير حجارة العالم..

9
أقرأ كتاب يديك..
حرفاً.. حرفاًً ..
فاصلةً .. فاصلةْ..
كما أقرأ (نشيد الإنشاد)..
أو (سورة مريم)..
أو كونشرتو البيانو لتشايكوفسكي..
وأعدُّ أصابعك كل ليلة..
كما يعدُّ الصائغ.. خواتمه الذهبيَّة…

10
أكتبك.. على سنابل القمح ..
فتأتي العصافير عند الصباحْ..
وتحملك إلى أولادها!!.

11
أكتبكِ..
قصيدةً في كتاب الدهشة..
فيحملك التلاميذ معهم.
في محافظتهم المدرسّية ..

12
أكتبك بلغة الشجر..
ولغة المطر..
ولغة عصافير الكناري..
أكتبكِ..
بلغة الإنسان الأول..
والعصفور الأول..
والمرأة الأولى..
التي تبحث عن اسمٍ لأنوثتها..

13
أكتبك على دفاتر دمي..
فتزدادى ثقافتي..

14
أكتبكِ..
قبل أن يكون إيقاع الربابةْ..
وقبل أن تكون الكتبُ.. والكتابةْ..

15
أكتبك في كتاب النساءْ..
فيصبح الليلُ قنديلاً..
والعالمُ قصيدةً..
وبستانَ نخيل..

16
أجمل ما في وجهك الجميلِ, يا سيّدتي..
بأنه من غيرما هويةٍ..
وغيرما بلادْ..
أجملُ ما في وجهك الجميلِ, يا سيّدتي..
بأنه يخترع التاريخَ.. والبلادْ..
أجمل ما في جسمكِ المجنون.. يا سيِّدتي..
بأنه يجعلني في لحظةٍ رمادْ …

جميع الحقوق محفوظة © نزار قباني . نت